الغزالي
78
إحياء علوم الدين
خرج من باب جامع الفسطاط ، وقد أقبل ابن عبد الحكم في موكبه ، فبهره ما رأى من حسن حاله وحسن هيئته ، فتلا قوله تعالى * ( وجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) * « 1 » ثم قال : بلى أصبر وأرضى . وكان فقيرا مقلا . فالذي هو في بيته لا يبتلى بمثل هذه الفتن فإن من شاهد زينة الدنيا ، فإما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر ، فيحتاج إلى أن يتجرع مرارة الصبر ، وهو أمرّ من الصبر ، أو تنبعث رغبته ، فيحتال في طلب الدنيا ، فيهلك هلاكا مؤبدا ، أما في الدنيا فبالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات ، فليس كل من يطلب الدنيا تتيسر له ، وأما في الآخرة فبإيثاره متاع الدنيا على ذكر الله تعالى والتقرب إليه . ولذلك قال ابن الأعرابي إذا كان باب الذل من جانب الغنى سموت إلى العليا من جانب الفقر أشار إلى أن الطمع يوجب في الحال ذلا الفائدة السادسة الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ، ومقاساة حمقهم وأخلاقهم . فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر . قيل للأعمش : ممّ عمشت عيناك ؟ قال من النظر إلى الثقلاء ويحكى أنه دخل عليه أبو حنيفة فقال : في الخبر أن [ 1 ] من سلب الله كريمتيه عوضه الله عنهما ما هو خير منهما ، فما الذي عوضك ؟ فقال في معرض المطايبة : عوضني الله منهما أنه كفاني رؤية الثقلاء وأنت منهم . وقال ابن سيرين : سمعت رجلا يقول : نظرت إلى ثقيل مرة فغشى علىّ . وقال جالينوس : لكل شيء حمى ، وحمى الروح النظر إلى الثقلاء . وقال الشافعي رحمه الله : ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذي يليه من بدني ، كأنه أثقل علىّ من الجانب الآخر
--> « 1 » الفرقان : 20